فخر الدين الرازي
221
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء ، غرقا في بحر السعادات ، واصلا إلى أقصى الكمالات ، وهذا النوع من البيان بحر لا ساحل له ، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر . المسألة الثالثة : اختلفوا في الإنسان في قوله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ فقال بعضهم : إنه الكافر ، ومنهم من بالغ وقال : كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان ، فالمراد هو الكافر ، وهذا باطل ، لأن قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الانشقاق : 6 ، 7 ] لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه ، وكذلك قوله : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [ الدهر : 1 ] وقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [ المؤمنون : 12 ] وقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ ق : 16 ] فالذي قالوه بعيد ، بل الحق أن نقول : اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه ، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صونا له عن الإجمال والتعطيل . ولفظ الإنسان هاهنا لائق بالكافر ، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة . المسألة الرابعة : في قوله : دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً وجهان : الوجه الأول : أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله : لِجَنْبِهِ في موضع الحال بدليل عطف الحالين عليه ، والتقدير : دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما . فإن قالوا : فما فائدة ذكر هذه الأحوال ؟ قلنا : معناه : إن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر ، سواء كان مضطجعا أو قاعدا أو قائما . والوجه الثاني : أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديدا لأحوال الضر ، والتقدير : وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما دعانا وهو قول الزجاج . والأول : أصح ، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر ، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء ، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب . المسألة الخامسة : في قوله : مَرَّ وجوه : الأول : المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى / قبل مس الضر ونسي حال الجهد . الثاني : مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به . المسألة السادسة : قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ تقديره : كأنه لم يدعنا ، ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف ونظيره قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا [ يونس : 45 ] قال الحسن : نسي ما دعا اللَّه فيه ، وما صنع اللَّه به في إزالة ذلك البلاء عنه . المسألة السابعة : قال صاحب « النظم » : قوله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ إذا موضوعة للمستقبل . ثم قال : فَلَمَّا كَشَفْنا وهذا للماضي ، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية أنه هكذا كان فيما مضى وهكذا يكون في المستقبل . فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل ، وما فيه من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي ، وأقول البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى وذلك لأن